Friday, March 20, 2009

أخبار الادب وجوه سكندريه

علاء خالد‮ ‬نص‮ ‬سلوي رشاد ‬فوتوغرافيا‮ جمال الدوليفي نهاية عقد الثمانينيات انتشرت علي‮ ‬حوائط وجدران مدينة الإسكندرية مجموعة من العبارات المكتوبة بخط جميل والممهورة بتوقيع‮ " ‬جمال الدولي‮" . ‬كانت أغلب هذه العبارات لها هذا الجانب السياسي الساخر‮ ‬،‮ ‬بل واليائس أيضاً‮ ‬من الأوضاع التي وصلت إليها مصر‮. ‬عبارات من قبيل‮" ‬متر الوطن بكام‮" ‬و‮" ‬مهرجان بواقي الوطن‮" ‬،‮ ‬و‮" ‬جمال الدولي مرشحاً‮ ‬لرئاسة الجمهورية‮". ‬أحياناً‮ ‬كان‮ ‬يخرج جمال الدولي عن هذا السياق الساخر ليكشف عن حبه اليائس ايضاً‮ ‬لليلي علوي عندما‮ ‬يكتب‮" ‬أنا بحب ليلي علوي‮" . ‬تحول جمال الدولي إلي شبح بالنسبة للكثيرين فهم لايرون إلا آثاره علي الجدران‮ ‬،‮ ‬وشكوا أن الاسم ماهو إلا‮ ‬قناع‮ ‬يتخفي تحته‮ ‬أشخاص عديدون‮ ‬،خوفاً‮ ‬من العقاب أو الملاحقة‮ . ‬وكلما حاولت أجهزة المحافظة أن تمحو وتزيل هذه العبارات‮ ‬،‮ ‬وجدنا عبارات أخري فوق طبقة الطلاء الجديدة وفي نفس المكان‮ ‬،‮ ‬كانه ايضاً‮ ‬يلاحق تلك الأجهزة ويترصدها‮. ‬كان جمال الدولي‮ ‬يتجول بشاعرية داخل المدينة‮ ‬،‮ ‬تخيلته‮ ‬يسير ثم تأتي له فكرة‮ ‬،‮ ‬وبدلاً‮ ‬من استخدام الورقة‮ ‬يكتب علي الجدران قبل أن تتبخر هذه الفكرة‮. ‬الكتابة علي الجدران تحمل ضمنياً‮ ‬معني الاحتجاج والسخط‮ ‬،‮ ‬وتدعو الآخرين أن‮ ‬يشهدوا معك علي‮ ‬يأسك هذا‮ ‬،‮ ‬وكذلك علي حبك‮. ‬شعارات جمال الدولي كانت تتركز‮ ‬غالباً‮ ‬في الأحياء القديمة‮ ‬،‮ ‬حول مجمع الكليات ومنطقة الشاطبي وجليم وغيرها من الأحياء التي‮ ‬يتصور أنها جمهوره المنتظر‮. ‬في تلك الأحياء كانت هناك نسبة كبيرة من طلبة الجامعات‮ ‬،وأيضاً‮ ‬يسكن فيها أعضاء الطبقة الجديدة الثرية وصاحبة السلطة،‮ ‬و التي‮ ‬يوجه لها جمال هذه العبارات،‮ ‬وربما هي السبب في نظره في بيع الوطن أو عرضه في مهرجان كبيرللتخفيضات‮. ‬ذكاء ومرارة وطرافة في التقاط هذا الحس الذي‮ ‬يربط بين التجارة والوطن،‮ ‬وتحول المواطن إلي سلعة قابلة للبيع والتداول‮. ‬في إعلان حبه لليلي علوي ولمناطحته السلطة هناك تحد بشكل ما‮ ‬،‮ ‬سواء للسلطة أو للحب‮. ‬الاستحالة هي التي تجمع بين ليلي علوي والوطن‮ ‬،‮ ‬استحالة أن تحبه ليلي علوي‮ ‬،‮ ‬واستحالة أن‮ ‬يكون مواطناً‮ ‬محترماً‮ ‬يتمتع بحب هذا الوطن‮ . ‬حب من طرف واحد‮ ‬،‮ ‬فكم هو‮ ‬يشعر بضآلته أمام الاثنين‮. ‬ولكن هل فكر جمال الدولي‮ ‬،‮ ‬ولو مرة‮ ‬،‮ ‬أن ليلي علوي ربما تقرأ عبارته‮ ‬،‮ ‬أو حتي تسمع عنها‮ ‬،‮ ‬عندها ربما تغضب أو تفرح بهذا العاشق الجوال؟‮. ‬في كلتا الحالتين ستتكون مشاعر في قلب ليلي علوي تجاهه وعنه،‮ ‬كراهية أو إعجاب أو‮ ‬سخرية‮ ‬،‮ ‬وربما هذا ماكان‮ ‬يبغيه من وراء كتابته لهذه العبارات‮ ‬،‮ ‬أن‮ ‬يتم تمرير وتبادل مشاعر ما‮ ‬،‮ ‬حتي ولو من بعيد،‮ ‬تحت ظل هذه الشعارات والكلام المكشوف‮. ‬فلحظة الكتابة علي الجدران هي اللحظة التي‮ ‬يتكلم فيها مباشرة‮ ‬وجه لوجه‮ ‬،‮ ‬وأمام الناس جميعا‮ ‬،مع ليلي علوي أومع الوطن،‮ ‬ويمررلهما رسالة بها بعض من مشاعره المكبوتة‮.‬مع مرور السنوات وصولاً‮ ‬لبدايات التسعينيات وتوالي كتابته علي الجدران‮ ‬،‮ ‬أصبح جمال الدولي شخصاً‮ ‬له حضور جماعي‮ ‬،‮ ‬ربما لاتأخذ عباراته وشعاراته مأخذ الجد‮ ‬،‮ ‬ولكن تكرارها‮ ‬يجعلك تنتظر جديدها‮. ‬أصبح شبيها بمجنون القرية الذي‮ ‬يقول كل شيء بدون حساب أو خوف‮ ‬،‮ ‬لأنه‮ ‬يحتمي تحت جناح جنونه‮. ‬ثم فجأة ظهرت شخصية جمال الدولي‮ ‬،‮ ‬الذي كان معروفاً‮ ‬لدي مشجعي فريق الإتحاد في الإسكندرية‮. ‬في إحدي مباريات كرة السلة‮ ‬،‮ ‬والمذاعة تليفزيونياً‮ ‬علي الهواء‮ ‬،‮ ‬قام جمال الدولي بخلع ملابسه كاملة ونزل إلي أرض الملعب وسط الجماهير والمشاهدين الجالسين خلف التليفزيونات،‮ ‬لقد قدم عرضاً‮ ‬يود أن‮ ‬يشاهده الجميع‮ ‬،‮ ‬فقدرته علي ان‮ ‬يكشف ويعري نفسه والآخرين فاقت قدرته علي الصبر والجلوس كمشجع مجهول وسط المدرجات‮. ‬ربما شعر بمؤامرة تحاك حول فريق الإتحاد‮ ‬،وعادة مايشعر مشجعو فرق الأقاليم بهذا الشعور السياسي الذي‮ ‬يجعلهم‮ ‬يكرهون النظام الذي‮ ‬يدعم ويقف وراء فرق العاصمة‮. ‬نادي الإتحاد السكندري له باع في كراهية النظام منذ سنوات‮ ‬،‮ ‬عندما تولي رئاسته الدكتور محمود القاضي،‮ ‬أحد رموز المعارضة سنوات حكم السادات‮. ‬وخرج من مجلس الشعب بعد ان حل الرئيس السادات المجلس نظراً‮ ‬للحراك السياسي الذي سببته مجموعة مميزة من المعارضين،‮ ‬وحتي الآن لم‮ ‬يظهر من‮ ‬يضاهيهم في قوة تأثيرهم وشعبيتهم وسط الناس‮.‬‮ ‬في مقهي بحي كامب شيزار شاهدت عن قرب كابتن‮ "‬ريعو‮" ‬أهم مشجعي نادي الإتحاد،‮ ‬بعد كابتن‮" ‬الوحش‮" ‬،‮ ‬ودائما كان‮ ‬يتواجد بصحبة مجموعة من المشجعين،‮ ‬يتداولون في أمور النادي وفي أدق التفاصيل التي تحجب وراء الكواليس‮. ‬رابطة الصداقة التي نشأت بينهم تفوق في عمقها أي روابط أخري‮ . ‬هناك انجذاب عاطفي للكرة وللنجيل الأخضر وللنادي‮ ‬يفوق برنامج أي حزب سياسي‮ ‬،‮ ‬فهناك رغبة متبادلة،‮ ‬تجعل تشجيع فريق بعينه مثل الإدمان‮ ‬يجري مجري الدم في العروق‮. ‬جمال الدولي كان واحداً‮ ‬من هؤلاء المشجعين الذين‮ ‬يقودون الجماهير‮ ‬،‮ ‬ولاتظهر مواهبهم إلا وسط حشود‮ . ‬من قبل كان الزعماء السياسيون،‮ ‬بدرجاتهم،‮ ‬يقومون بهذا الدور الريادي‮ ‬،فلا تظهر مواهبهم ولايتحققون كذوات إلا وسط الحشود‮. ‬بتراجع فريق الإتحاد في كرة السلة والذي عاش أزهي عصوره في الثمانينيات والتسعينيات،‮ ‬وكان متفوقا علي فرق العاصمة‮ ‬،‮ ‬وبالإنتكاسات المستمرة لفريق الكرة في النادي ؛ ربما‮ ‬يأس جمال الدولي الذي كتب مرة عن الجمهور وليس عن اللاعبين‮" ‬جمهور الإتحاد سيد البلد‮".‬إنه‮ ‬يرد الاعتبار لجمهور فقد الأمل في الفوز،‮ ‬وبرغم هذا مازال‮ ‬يحب فريقه‮. ‬اختفت عبارات جمال الدولي من الشوارع والجدران،‮ ‬ثم عادت للظهور علي استحياء في السنوات القليلة الماضية،‮ ‬بجوار شعارات‮ "‬الإسلام هو الحل‮ ‬،‮ ‬و‮" ‬الحجاب الحجاب‮ ‬ياأختاه‮" ‬و‮" ‬قاطعوا البضائع الأمريكية‮"‬،لم‮ ‬يعد لشعاراته تأثيرها القديم‮ ‬،‮ ‬وأصبحت نادرة تبحث عنها بإبرة،‮ ‬ومركزة في المنطقة حول مركز حبه وهو نادي الإتحاد‮ .‬مع مرور السنوات فقدت الرغبة في تتبع أخباره،‮ ‬ربما مازال هناك‮ ‬يلعب دورا جديدا ولكن بدون رغبة في الإعلان‮ ‬،‮ ‬كجندي مجهول‮ ‬يجلس وسط جموع المشجعين منادياً‮ ‬بالشعار التقليدي لجماهير الإتحاد‮ " ‬الانتحاد‮... ‬الانتحاد‮ " .‬‮ ‬الكتاب والبحرفي شهر رمضان أهوي السير علي شاطيء الإسكندرية‮. ‬أختار التوقيت المثالي لهذا الشهر‮ ‬،‮ ‬تلك الساعات مابين العصر والمغرب‮. ‬في طريقي أصادف المتريضين بجميع أنواعهم،‮ ‬من دعاه الصيام ليبحث عن وسيلة لقتل الوقت،‮ ‬ومن‮ ‬يتخذ من الرياضة نظاما لحياته سواء في شهر رمضان أو‮ ‬غيره من الشهور،‮ ‬وهناك من‮ ‬يتخذ من السير وسيلة للسكينة،‮ ‬لعلها تفتح باب الإيمان‮.‬وهناك أيضا جمهور‮ ‬يجلس أمام البحر مباشرة‮ ‬،‮ ‬وظهره للشارع‮ ‬يقرأ في كتاب الله‮. ‬تستوقفني تلك الظاهرة التي لا أراها بهذه الكثرة إلا في شهر رمضان‮. ‬الكل‮ ‬يقرأ في كتاب واحد،‮ ‬باختلاف درجة الثقافة‮ ‬،‮ ‬والسن‮ ‬،‮ ‬والقدرة علي الفهم‮ ‬،‮ ‬باختلاف درجة الذكاء والاستيعاب؛‮ ‬الكل‮ ‬يؤمن بهذا الكتاب‮. ‬يصبح هذا الكتاب قبلة لخيال الكثيرين ووجدانهم‮ . ‬خيوط شفافة تخرج منه لتربط الخيال الإنساني بالنص الديني‮. ‬إ حساس بالمشاركة تولده القراءة،‮ ‬أنت تقرأ والآخر‮ ‬يشاركك القراءة‮ ‬عن بعد‮ . ‬يصبح النص مفتوحا أمام عيون وقلوب وفهم الآخرين،‮ ‬وبالتأكيد قابلا للتفسير من آخرين‮. ‬تصبح ثقتك في الفهم مستمدة من ثقتك في هؤلاء الآخرين‮ ‬،‮ ‬لأنه كتاب جماعي‮ ‬،‮ ‬بالرغم من أنك تقراه منفردا‮.‬الخيال الذي تسبح فيه وأنت تقرأ كتاب الله،‮ ‬يصبح أيضا قسمة ومشاركة بينك وبين خيال الآخرين‮. ‬أنه صانع لخيال جماعي‮. ‬لكل نفس مرجع مقروء خارجها‮ ‬،‮ ‬تلجأ اليه وتنجذب‮ . ‬تري فيه صورتها المكتوبة‮ ‬،‮ ‬وتنصت إليه في لحظات الأزمة‮ ‬،‮ ‬أو تحاوره أو تطلب منه الخلاص،‮ ‬أو تحاول أن تستنطقه للحصول علي وعد بالجنة‮.‬أعتقد أن أحد أهداف الأديان‮ ‬،‮ ‬أن تصنع مركزا رمزيا للخيال الجمعي،‮ ‬يفرض احاسيس معينة علي جمهور المتلقين والمؤمنين‮. ‬فبالرغم من الفروق الفردية بين البشر‮ ‬،‮ ‬إلا أن هناك مجالا تصنعه الأديان‮ ‬،‮ ‬وربما تشاركها،‮ ‬وباختلاف التأثير‮ ‬،‮ ‬الفنون والفلسفات والحكايات الكبيرة.مجال للحس والفهم والاستجابة‮. ‬أنه‮ ‬يسهل التواصل والحوار علي مستوي الكلام والمشاعر اليومية‮ ‬،‮ ‬وكذلك علي مستوي أعمق من المشاعر والرموز الخفية‮ . ‬لكل أمة كتاب‮. ‬وكلما زاد عدد المؤمنين به والقراء له‮ ‬،‮ ‬كلما اتسع الفهم وقدرته علي أن‮ ‬يكون شاملا ومتعددا‮ ‬ومعبرا عنهم‮. ‬لآنهم جزء اصيل من تكوينه‮ ‬،‮ ‬وبدونهم سيظل الكلام المقدس معلقا بين السماء والأرض‮.‬أمضيت سنوات كنت أجلس فيها علي البحر‮ ‬،‮ ‬أقرأ كل شيء،‮ ‬شعر وروايات وفلسفة‮. ‬بين كل صفحة وأخري تستوقفني عبارة‮ ‬،أرد الجملة الجميلة أو الصادمة أو الغامضة‮ ‬او المركبة إلي البحر‮ . ‬أردها إلي طبيعتها‮ ‬،‮ ‬ماء وهواء وزرقة وسماء‮. ‬أي كتاب جزء من عالم لامرئي أشمل‮. ‬أمام البحر‮ ‬يتحد العالمان‮ ‬،عالم الحروف وعالم المعاني‮. ‬أي كتاب‮ ‬يحمل معني أكبر بكثير من الحروف‮. ‬عالم المعاني والصور والأحكام‮ ‬،‮ ‬وجميعها من طبيعة لامادية‮ ‬،‮ ‬تتحول لتصبح جزءا من الذاكرة الانسانية‮. ‬أي كتاب جزء من الكون‮ ‬،‮ ‬وأمام البحر‮ ‬يعود كل كتاب إلي كونيته‮ ‬،‮ ‬إلي الخيال الجمعي الذي نلتقي عنده جميعا‮.‬كانت أمي‮ ‬يرحمها الله،‮ ‬تقول لي دائما عندما أتذمر من طيبتها وتسامحها المفرطين،‮ : ‬اعمل المعروف وارميه في البحر‮" ‬لماذا اختارت البحر بالذات؟ هل لأننا نسكن في مدينة بحرية؟ أم لأن البحر هو الوحيد الذي سيفهم ويقدر ويختزن هذا المعروف،‮ ‬ولايمحوه أبدا من ذاكرته حتي ولو نساه الاخرون‮. ‬المكافاة هنا ستأتي من البحر،‮ ‬لأنه سيذكر لك دائما معروفك؟لماذا جاء كل هؤلاء إلي شاطيء البحر ليقرأوا القرآن؟ بالتأكيد هناك شعور ضمني لديهم بأنه المكان القريب من الله‮. ‬كل الأماكن قريبة من الله،‮ ‬ولكن أمام البحر نقف أمام أحد أبطال الخلق الأساسيين ؛ الماء‮. ‬هذه الكمية المهولة من المياه وهذا الاتساع‮ ‬،‮ ‬تشعر بأنك تعيش لحظة خلق جديدة وقديمة في آن‮. ‬وقصة الخلق هي إحدي أعمدة كتاب الله الجوهرية‮ ‬,‮ ‬أمام البحر‮ ‬يرتد القرآن في‮ ‬يد وخيال القاريء إلي هذا الزمن القديم‮ ‬،‮ ‬زمن الخلق والبدايات‮. ‬لذا‮ ‬يسهل‮ ‬تمثل كتاب الله أكثر‮. ‬وفي هذا السياق لا أنسي صوت عماد حمدي وهو‮ ‬يقرأ سورة الرحمن أمام البحر‮ ‬،‮ ‬في نهاية فيلم ميرامار‮ ‬،‮ ‬المأخوذ عن رواية بنفس الاسم لكاتبنا الكبير نجيب محفوظ‮.‬‮ ‬ميرامارفي‮ ‬رواية ميرامار،‮ ‬والتي تدور أحداثها في إسكندرية الستينيات،وهي لحظة تحول في تاريخ المدينة‮ ‬،‮ ‬وصراع بين التنوع في الجنسيات الذي كانت تعيشه المدينة قبل الثورة‮ ‬،‮ ‬ومرحلة الثورة وماتمثله من رفض لهذا التنوع‮ ‬ومايمثله من علاقة بالاستعمار،‮ ‬الذي جاءت الثورة لتقضي عليه وعلي كل رموزه وصوره‮. ‬وبالتالي أصبحت القاهرة هي المركز السياسي‮ ‬والثقافي للثورة‮ . ‬أبطال الرواية‮ ‬يهربون‮ ‬من القاهرة ومدن الأقاليم إلي الإسكندرية ليلتقوا هناك في بنسيون ميرامار الذي تملكه سيدة‮ ‬يونانية تدعي ماريانا‮. ‬داخل هذا البنسيون تتصادم أقدارهم‮ ‬،ويتحول البنسيون إلي ملجأ لشيء‮ ‬يهربون منه،‮ ‬سواء كان ماضيهم المضني أو السلطة التي فقدوها‮ ‬،‮ ‬فالجميع في لحظة ضعف و تجرد من السلطة‮ ‬،عدا سرحان البحيري الشاب الثوري والنجم الصاعد في سماء الثورة والإتحاد الإشتراكي والنقابات العمالية‮.‬تدور أحداث الرواية في الشتاء‮ ‬،‮ ‬وهو المكان الشعري الذي‮ ‬يحب أن‮ ‬يري به محفوظ المدينة،‮ ‬فإسكندرية الشتاء هي المكان الأعمق الذي تتفاعل فيه مظاهر الطبيعة مع تاريخ المدينة ليصنعا هذا الشجن الذي‮ ‬يغلف الرواية ولاتعرف من أين أتي‮ ‬،‮ ‬هل من مأساوية أبطاله أم من عنف المدينة الكامن تحت سلطة الطبيعة والرطوبة والتاريخ‮. ‬وأعتقد أن وجود المدينة الحسي كان حاضرا ضمن هذه العلاقة الصوفية بها‮ ‬،‮ ‬وليس عبر تقصي ماديتها أو تفاصيلها‮. ‬هي في عمل محفوظ مدينة مجازية كشخص له سطوة ولكن سطوته‮ ‬غير مرئية وفاعلة في آن‮.‬يلتقي الأبطال في نهاية العام وقبل بداية عام جديد‮ ‬،‮ ‬وهي أيضاً‮ ‬لحظة تحول طبيعية في سياق الأيام‮ ‬،‮ ‬لحظة قلق بين نهاية وبداية‮ . ‬بالإضافة إلي مايمثله البنسيون كمكان قلق وغير مستقر للإقامة‮ . ‬فالزمان والمكان والطبيعة‮ ‬،‮ ‬الكل‮ ‬يرشح الوجه القلق من وجوده،‮ ‬حتي أبطال العمل جميعهم ترتبط أقدارهم الظاهرة بالتحول الذي حدث في مصر بعد ثورة‮ ‬52‮. ‬فالجميع‮ ‬يواجهون لحظة تحول كبري في مصيرهم ومصير البلد‮. ‬أمام هذه الأفكار الكبري التي تدور في عقل الروائي ستتضاءل مادية المكان وتفاصيله المباشرة‮. ‬نعم هناك ذكر دائم لبعض الأماكن التي كان‮ ‬يرتادها الأبطال،‮ ‬وجميعها أماكن لها دلالة في تاريخ المدينة‮ ‬،‮ ‬بداية من موقع البنسيون أمام السلسلة‮ ‬،‮ ‬وتريانون‮ ‬،‮ ‬وأتينيوس‮ ‬،‮ ‬وبهو فندق سيسل ووندسور‮ ‬،‮ ‬ميدان محطة الرمل‮ ‬،‮ ‬نهاية حتي ترعة المحمودية حيث فرع النيل حيث‮ ‬يقع كازينو البجعة ولابالما‮. . ‬هذا هو المكان الأثير الذي‮ ‬يمثل صورة الإسكندرية‮ ‬الرمزية عند نجيب محفوظ‮ ‬،‮ ‬الإسكندرية كسؤال ثقافي‮ ‬،‮ ‬وكتاريخ‮. ‬وفي نفس هذا المكان كانت مكتبة الإسكندرية القديمة والقصور الملكية‮ ‬،‮ ‬وفي العصر الحديث هي‮ ‬مكان اختلاط الأجانب مع المصريين‮. ‬كأنما المكان المركز عند نجيب محفوظ تحول إلي مكان السلطة‮ ‬عندما كتب عن الإسكندرية‮ . ‬بعكس رواياته عن القاهرة التي كانت تنزع إلي اختيار المكان الهامشي البعيد عن المركز‮ ‬،‮ ‬والذي‮ ‬يعبر عن أصالة تاريخية وإنسانية ما‮. ‬ولكن مايوحد بين المكانين هو أبطاله وسؤالهم الوجودي‮ ‬الداخلي‮ ‬،‮ ‬وهو الأهم بالقياس بسطوة المكان‮. ‬والمثير للتأمل‮ ‬في الرواية أن الشخصيتين الأكثر استقراراً‮ ‬داخلها‮ ‬،‮ ‬هما ماريانا صاحبة البنسيون ومحمود بائع الجرائد‮.‬الإسكندرية في رواية ميرامار تتحول إلي مكان رمزي لصراع سياسي دائر في مصر كلها في ذلك الوقت‮ ‬،‮ ‬ولايمكن لمثل هذا الصراع من أن‮ ‬يصنع رواية جميلة بدون وجود مكان هامشي بشكل ما‮ ‬،‮ ‬يسمح بحرية الحركة وانسياب الأشياء المخفية داخل نفوس ومصائر أبطاله‮. ‬ومن هنا‮ ‬يمكن التأكيد علي أن‮ ‬نجيب محفوظ لم‮ ‬يتخل عن فكرة اختيار المكان الهامشي ليتكلم عنه‮ ‬،‮ ‬فالإسكندرية كلها أصبحت هي هذا المكان الهامشي‮ ‬،‮ ‬أو العقل الباطن لمصر‮ ‬،‮ ‬أو الوجه الآخر لها‮.‬ولكن داخل الرواية‮ ‬يغيب الحب‮ ‬،‮ ‬ولا أعرف السبب في هذا،‮ ‬فأبطال العمل في لحظة صراع وتنافر وليسوا في لحظة بناء‮ ‬،‮ ‬بعكس رباعيات داريل عن الإسكندرية‮ ‬،‮ ‬الذي كان الحب هو المحور بشكل ما الذي دارت حوله الرباعيات‮. ‬ربما كان حبا مؤقتا لم‮ ‬يدم‮ ‬،ولكنه شغل زمن الرواية‮ . ‬ربما بدأ نجيب محفوظ من حيث انتهي داريل‮ ‬،‮ ‬بأن مصير الحب داخل هذه المدينة سينتهي حتماً‮ ‬إلي الفرقة والنسيان‮ ‬،‮ ‬فجعل كل بطل من أبطاله أعزل أمام سطوة تاريخه وتاريخ المدينة،‮ ‬ولاعزاء‮ ‬يقدم له من الآخرين،‮ ‬إلا عزاء الالتصاق الصوفي بقوي كبري تسير الحياة‮ ‬،‮ ‬كما حدث مع الصحفي صاحب الثمانين عاماً‮ ‬عامر وجدي‮ ‬،‮ ‬و الذي علي مدار الرواية وفي لحظات خلوته في‮ ‬غرفته بالبنسيون كان‮ ‬يردد سورة الرحمن،‮ ‬والتي كان‮ ‬يلجأ اليها في كل لحظات‮ "‬جيشان الصدر‮". ‬وهي السورة التي تؤكد عظمة الله وضد كل من‮ ‬يكذب بها،‮ ‬والتي تحمل إيقاعاً‮ ‬ظاهراً‮ ‬لا لبس فيه‮ . ‬هذا التصاعد الملحمي لصوت القرآ ن داخل الرواية‮ ‬،‮ ‬وهذا الصوت الخارجي المهيمن‮ ‬،‮ ‬جعلا الرواية بها هذا الشجن العميق‮ ‬،‮ ‬الذي‮ ‬يسبق النهايات،‮ ‬نهاية حياة ونهاية مرحلة‮ . ‬إذا كانت الرواية كما تسمي رواية تعدد الأصوات‮ ‬،‮ ‬فكل بطل من أبطالها‮ ‬يروي الحكاية بصوته‮ ‬ومن وجهة نظره،‮ ‬فالصوت الوحيد الذي كان‮ ‬يأتي من الخارج هو صوت عامر وجدي وهو‮ ‬يتلو سورة الرحمن‮. ‬وكذلك صوت أم كلثوم‮ ‬وحفلتها الشهيرة‮ ‬،‮ ‬التي جمعت الأبطال حولها وأصبحت مشتركا أعظم بينهم‮. ‬هي التي وحدت مؤقتا بين صراعاتهم واختلافاتهم المذهبية‮ . ‬بائعة‮ ‬الوردكان لعايدة القدرة علي أن تظهر في عدة‮ ‬أماكن مختلفة،‮ ‬وربما في نفس التوقيت‮. ‬سأراها تمر بورودها الذابلة بجوار المقهي التي‮ ‬اعتدنا الالتقاء فيه نحن مجموعة الأصدقاء‮ ‬،‮ ‬ثم سأراها مرة أخري عند إشارة المرور التي تبعد كيلومترات عن المقهي،‮ ‬عندها ستصيبني الدهشة،‮ ‬واتساءل بيني وبين نفسي،‮ ‬هل قطعت تلك المسافة الطويلة سيراً‮ ‬علي الأقدام لتبيع ورودها للزبائن؟من الصعب أن تهرب من عايدة،‮ ‬ولاتشتري ورودها‮. ‬لو رأتنا جالسين علي المقهي ستتقدم بقلب قوي وتضع ورودها علي المنضدة،‮ ‬ونبادر جميعنا بأن نمنحها ثمن هذه الورود،‮ ‬فهي في عرفنا لها مرتبة تسمو عن كونها شحاذة،‮ ‬إنها تبيع شيئا له ثمن،‮ ‬ثم تسمع تعليقها‮ " ‬ياغالي‮"‬،‮ ‬بهذا الوجه الأسمر،‮ ‬والإيشارب الصغير الذي تخفي به جزءاً‮ ‬من شعرها‮. ‬منا من كان‮ ‬يمنحها سيجارة،‮ ‬والسيجارة ليست عوضا عن النقود،‮ ‬وإنما عربون محبة لصداقة امتدت لسنوات طويلة‮. ‬وعندما تنتهي جلستنا علي المقهي،‮ ‬ننسي ورودها،‮ ‬كالعادة علي المنضدة،‮ ‬وبدون أن نمسسها‮ .‬كان لها كبرياء وهي تطلب الثمن،‮ ‬فقد كانت واثقة بأنك لن تردها،‮ ‬ولو تململت قليلا،‮ ‬أو أبديت بعض التذمر من مطاردتها اليومية لك،‮ ‬عندها ستقول لك‮" ‬مابعتش حاجة النهاردة خالص‮" ‬فترد عليها وأنت تضع‮ ‬يدك في جيبك‮" ‬ماشي‮ ‬ياعايدة‮" ‬،‮ ‬ثم ترد‮ " ‬شكرا‮ ‬ياغالي‮".‬عندما تعرفنا عليها في المقهي أو الكافتيريات التي تقع في‮ ‬منطقة محطة الرمل،‮ ‬كانت في عقدها السادس،‮ ‬وكنا نسمع حكايات مقتضبة عن حياتها السابقة المستورة،‮ ‬ثم كيف لعب بها الزمن لعبته‮. ‬هي لم تصرح‮ ‬يوما بأي تفاصيل عن حياتها أو تشتكي من شيء معين،‮ ‬وربما كانت تتعمد هذا،‮ ‬لتحتفظ بصورتها القوية أمام زبائنها،‮ ‬لذا كثرت التأويلات لإزاحة هذا الضباب الكثيف الذي‮ ‬يكتنف حياتها‮. ‬كان‮ ‬يقال أنها بجانب بيعها لهذه الورود الذابلة،‮ ‬تقوم بالخدمة في البيوت،‮ ‬وأن لها عائلة وأطفالآ وأحفادا تجري عليهم،‮ ‬ولكن الغريب أننا لم نجرؤ‮ ‬يوما علي سؤالها عن حياتها،‮ ‬كنا نخشي أن نجرحها أو نسبب لها أي نوع من‮ ‬الأذي،‮ ‬ونعمل حسابا لمشاعرها‮. ‬أحيانا كنت أرد‮ ‬يدها عندما تضع ورودها علي المنضدة‮ " ‬خلاص‮ ‬ياعايدة‮" ‬ولكنها تزيح‮ ‬يدي وتصر أن تمنحنا المقابل للنقود التي منحتها لها‮. ‬بالفعل كان لها كبرياء من عاش حياة سابقة مستورة،‮ ‬ربما لم تكن حياة مرفهة،‮ ‬ولكن هذه الحياة منحتها هذه الصلابة والقوة الباديين في شخصيتها‮. ‬في أحد الأيام رأيتها وهي خارجة من أحد محال الزهور في حي رشدي،‮ ‬وفي‮ ‬يدها حزمة من الورد البلدي والريحان‮. ‬لا أعرف هل كان صاحب المحل‮ ‬يبيعها هذه الورود أو‮ ‬يمنحها لها بدون مقابل‮.‬أحيانا كنا نراها في فترات الراحة من العمل،‮ ‬منزوية في أحد أركان المقهي،‮ ‬وأمامها لفافة بها بعض السندويتشات و بجانبها كوب الشاي‮. ‬في تلك الأوقات‮ ‬يتغير وجهها،‮ ‬وتري شخصا آخر لانعرفه،‮ ‬له خصوصيته‮ ‬وله‮ ‬مجاله النفسي الملحوظ الذي‮ ‬يجلس في حماه،‮ ‬ومن الصعب اختراقه او الاقتراب منه‮. ‬منذ سنوات كسرت ساقها،‮ ‬أثناء إحدي مناوراتها في إشارات المرور‮. ‬وضعت ساقها‮ ‬في الجبس لشهور طويلة،‮ ‬فكانت تدفع أمامها كرسيا‮ ‬للمعوقين،‮ ‬ليسندها وأحيانا لتجلس عليه لتستريح،‮ ‬أو لتضع داخله ورودها‮. ‬من‮ ‬يومها وظهرت تلك‮ "‬الزكة‮" ‬الواضحة‮ ‬قي مشيتها،‮ ‬والتي جعلتها تتجنب ارتداء الأحذية أو حتي الشباشب،‮ ‬فكانت تسير وهي تعصب قدمها بالشاش أو الأقمشة،‮ ‬حماية لها من أسفلت الطرقات،‮ ‬وكذلك أصبح صوتها المبحوح أكثر إلحاحا‮ ‬في الطلب،‮ ‬فقد زهقت من نبرة التودد التي تتحدث بها،‮ ‬وصار لها حق علي أصدقائها أن تظهر تبرمها أمامهم‮. ‬إنها جزء من ميراث حناننا،‮ ‬كأصدقاء،‮ ‬نجلس بالساعات نتحدث في الشعر والأدب والسياسة،‮ ‬وندخن ونشرب القهوة،‮ ‬وننظر للغد بقلوب نصف‮ ‬يائسة ونصف آملة‮. ‬كان صديقي الشاعر الذي ترك الإسكندرية وعاش في القاهرة،‮ ‬كان من أشيائه المحببة عند زيارته للإسكندرية أن نجلس علي مقهي الكريستال المواجه للبحر،‮ ‬وأن‮ ‬يري عايدة،‮ ‬يعطيها سيجارة بود،‮ ‬كأنه‮ ‬يخرج حجر كريم من علبته،‮ ‬ويناولها إياه،‮ ‬ثم‮ ‬يأخذ ورودها بمواساة بين أصابعه،‮ ‬وبابتسامة عريضة‮ ‬يودعها‮. ‬كانت بالنسبة له إحدي علامات حبه للإسكندرية‮. ‬بعد تغير مناخ وزبائن وسط البلد ومحطة الرمل بالتحديد،‮ ‬انتقلت عايدة لمناطق أخري تبحث فيها عن الرزق،‮ ‬فكنت أصادفها في سيدي جابر،‮ ‬علي المقهي القريب من المحطة الذي‮ ‬يأوي كثيرا من المسافرين،‮ ‬ثم مرة أخري عند إشارة المرور علي البحر في نهاية شارع سوريا بحي رشدي،‮ ‬تقف حيث تقف العربات،‮ ‬فقد تغير زبونها،‮ ‬الذي بنت معه صداقة عمر،‮ ‬وصار سعيها عشوائيا‮ ‬،‮ ‬وفقدت مهنتها جزءا من كبريائها الرفيع‮.‬الشيء اللافت هو أنها عندما تغيب عن عيني لزمن،‮ ‬وأتذكرها،‮ ‬عندها أراها أمامي‮ ‬،‮ ‬مهما كان المكان الذي أكون متواجدا به،‮ ‬كأنها تقرأ أفكار أصدقائها،‮ ‬وكأن المدينة بكاملها حلم طويل تحلم به وتتنقل فيه بورودها‮ ‬الذابلة‮. ‬عندها أسأل نفسي كيف وصلت إلي هذا المكان،‮ ‬هل سارت كل هذه المسافة وهي تدفع هذا الكرسي أمامها،‮ ‬أم أنها تملك‮ ‬حاسة جديدة توفر عليها عناء السير‮.‬‮" ‬والنبي سلم لي علي صاحبك‮" ‬هكذا تبادرني عندما تراني،‮ " ‬حاضر‮ ‬ياعايدة‮" . ‬مات‮ " ‬صاحبي‮" ‬هذا الذي كان‮ ‬يناولها السيجارة كحجر كريم،‮ ‬لم أشأ أن أخبرها،‮ ‬تركت سلامها ليأخذ طريقه وسط الحياة‮.‬‮ ‬خط النصر وخط باكوسكما توجد فوارق طبقية،‮ ‬وبالتالي شخصية،‮ ‬بين الناس،‮ ‬والأحياء،‮ ‬والمدن بعضها البعض ؛ هناك أيضاً‮ ‬فوارق بين خطوط الترام في الإسكندرية‮. ‬يمتد خط الترام‮ ‬الرئيسي من ميدان محطة الرمل وينتهي عند محطة فيكتوريا‮.‬،‮ ‬ويسمي هذا الامتداد‮ "‬خط ترام الرمل‮ "‬،وهو الاسم الذي‮ ‬يميزه عن خطوط الترام الأخري التي تسير داخل أحياء الإسكندرية القديمة‮. ‬وقد أنشي هذا الخط الحديدي وامتد ليتماشي مع العمران الذي بدأ في هذا المكان بداية من نهايات القرن التاسع عشر،‮ ‬والذي عاصر نشوء الإسكندرية الحديثة‮. ‬وينقسم هذا الخط الأم إلي خطين فرعيين‮ ‬،‮ ‬خط ترام باكوس‮ ‬،‮ ‬ويشار له بالرقم‮ ‬1،‮ ‬وخط ترام النصر ويشار له بالرقم‮ ‬2‮. ‬أحيانأً‮ ‬يمران بنفس المحطات،‮ ‬ولاتري أي فارق بينهما‮ ‬،‮ ‬لافي نوع الركاب أو مستوي الأحياء التي‮ ‬يمر كل منهما عليها‮ ‬،‮ ‬وأحياناً‮ ‬يفترقان ويقطع كل منهما رحلته بمفرده باحثاً‮ ‬عن التمايز،‮ ‬وعما‮ ‬يمنحه شخصيته عن الخط الآخر‮. ‬هناك أربع محطات رئيسية‮ ‬يلتقي فيها الخطان أو‮ ‬يفترقان‮ ‬،‮ ‬محطة ترام‮ ‬أسبورتنج‮ ‬،‮ ‬ومحطة مصطفي كامل‮ ‬،ومحطة بولكلي‮ ‬،‮ ‬وأخيراً‮ ‬محطة سان استيفانو‮. ‬عبر محطات التجمع الثلاث الأولي لايوجد أي فارق جوهري بين الخطين‮ ‬،‮ ‬فوصولاً‮ ‬حتي محطة بولكلي‮ ‬،‮ ‬يعتبر هذا المسار هو الجزء النشط من‮ ‬الإسكندرية الحديثة،‮ ‬زمن الأجانب والاختلاط والطبقات المتوسطة‮ ‬،‮ ‬وأماكن الفسحة ومقاهي التسلية بعد المعاش‮ . ‬تبدأ الرحلة من محطة الرمل لتمر سريعاً‮ ‬بدون توقف علي محطة جامع إبراهيم التي تري منها‮ ‬البحر في رحلة ذهابك وإيابك‮ ‬،‮ ‬وتري منها أيضا جموع المرضي‮ ‬أصحاب الجلابيب‮ ‬،الذاهبين للمستشفي الميري للعلاج أو الزيارة‮. ‬يهبطون من الترام وينسلون في هواء الشوارع الضيقة التي تؤدي إلي المستشفي‮. . ‬ثم تتلوها محطة الأزاريطة،‮ ‬وهي المحطة الأقرب للحيين اللآتيني‮ ‬واليوناني،‮ ‬حيث‮ ‬يقع شارع فؤاد،‮ ‬الشارع الرمز في حياة الإسكندرية،‮ ‬وحديقة الشلالات وغيرهما من الفيلات والقصور المتناثرة حولهما،‮ ‬وأعتقد‮ ‬أن هذه المحطة هي الأقرب لهذا العالم الأرستقراطي القديم الذي لايمكن الوصول اليه الأ بالعربات الخاصة أو عربات الأجرة‮. ‬وتعتبر هذه المحطة نقطة انتقال هامة بين هذين الحيين النائيين وبين أحياء الطبقات المتوسطة‮ ‬التي تقع بطول شريط الترام‮. ‬ثم تأتي محطة الشهيد مصطفي زيان والاسم‮ ‬القديم لها محطة‮" ‬سوتر‮" ‬حيث‮ ‬يقع مجمع الكليات النظرية‮ ‬،‮ ‬حقوق وآداب وتجارة‮ ‬،وعلي اليمين هناك النادي اليوناني والقنصلية اليونانية،‮ ‬،‮ ‬وتحف بالترام مجموعة من الأبنية و القصور التي تستخدم كملاجيء‮ ‬لرعاية المسنين من الأجانب‮ . ‬في هذه المحطة أيضاً‮ ‬تلمح رغبة التداخل بين الإسكندرية القديمة والحديثة‮. ‬ثم تكمل الترام رحلتها لتمربمحطة الشبان المسلمين‮ ‬،‮ ‬وتبدأ في الابتعاد عن شارع ابي قير أوشارع فؤاد‮ . ‬ثم تأتي محطة الشاطبي،‮ ‬حيث‮ ‬يقع نادي الاتحاد السكندري من ناحية ومن الناحية الأخري كلية سان مارك بمبناها الأحمر العتيق وبمهابة تشعرك باهمية التعليم والعلم في هذا الزمن القديم‮ . ‬دائما ماكنت أري‮ ‬جماهيرنادي الإتحاد وهي تحوط‮ ‬علي الدوام ببوابات النادي كأنها في مظاهرة،‮ ‬في انتظار أن‮ ‬يتالق هذا النادي ويحقق بطولة ما‮. ‬ثم‮ ‬تأتي محطة‮ "‬الجامعة‮" ‬حيث‮ ‬يدخل خط الترام في نفق تحن الأرض ليسمح بمرور كوبري الجامعة من فوقه،‮ ‬وهي المحطة الوحيدة التي لايسير فيها الترام فوق الأرض‮. ‬ثم تأتي محطات‮ "‬المعسكر‮" ‬و‮ "‬الإبراهيمية‮" ‬ثم‮" ‬أسبورتنج الصغري‮" ‬،‮ ‬ثم‮ "‬اسبورتنج‮" ‬والتي‮ ‬يقع عليها أهم ناد رياضي اجتماعي في الإسكندرية‮. ‬عند محطة أسبورتنج‮ ‬يحدث أول انفصال للخطين التوأمين‮ ‬،‮ ‬أحدهما‮ ‬يسير بمحاذاة سور نادي أسبورتنج والقريب من شارع ابوقير،‮ ‬شريان الحياة في الإسكندرية‮ ‬،‮ ‬وهو بالطبع الخط المدلل‮ " ‬خط النصر‮ " . ‬أما الآخر وهو‮ "‬خط باكوس‮" ‬فيدخل في منحنيات‮ ‬وثرثرات أسواق الخضار والباعة عند محطة كليوباترا الصغري ثم سيدي جابر الشيخ،‮ ‬ولايشفع له قربه‮ ‬من البحر‮. ‬بينما‮ "‬خط النصر‮" ‬يسير مظفراً‮ ‬موازياًً‮ ‬لشارع أبي قير حتي‮ ‬يصل لمحطة سيدي جابر المحطة،‮ ‬حيث تقع محطة القطار المتجه للقاهرة،‮ ‬ليلتقي وجها لوجه بهذا الشارع الكبير‮ ‬،‮ ‬شارع أبي قير‮. ‬تستكمل المسيرة فعند محطة مصطفي كامل‮ ‬يلتقي الخطان بعد‮ ‬غربة لم تدم سوي ثلاث محطات‮ ‬،‮ ‬ولكنها‮ ‬غير كافية لأن تصنع الفارق الطبقي والشخصي الذي تحدثت عنه في بداية المقال‮ . ‬يسيران معا مرة أخري ويعبران بحي مصطفي كامل ثم حي رشدي،‮ ‬وهما حيان متداخلان والمسافة بين المحطتين لاتذكر‮ ‬،لذا‮ ‬فدائماً‮ ‬ما اعتبرهما محطة واحدة‮. ‬خلال هذا العبور ستصادف الكثير من أشجار الفيكس علي الجانبين‮ ‬،‮ ‬والكثير من العصافير‮ ‬،‮ ‬وستسمع أصواتها‮ ‬التي ستمتزج بصوت الترام المزعج‮ . ‬ثم نصل إلي محطة بولكلي‮ ‬،‮ ‬وهنا‮ ‬يفترق الخطان‮ ‬،‮ ‬وهذا الافتراق هو الأهم خلال هذا المسار،‮ ‬لأنه‮ ‬هو الذي منحهما التسمية،‮ ‬والذي منح الشخصية المتعالية لخط ترام النصر،‮ ‬وساهم في تكوين الشخصية المستضعفة والمنطوية علي نفسها لخط ترام باكوس‮.‬بداية من محطة ترام بولكلي‮ ‬يظهر الفارق جلياً‮ ‬في الأحياء المحيطة بخطي الترام أثناء عبورهما،‮ ‬بينما‮ ‬يتقدم‮ "‬خط النصر‮" ‬ليعبر بأحياء الهدايا وساباباشا وجليم ومظلوم وزيزنيا وصولا حتي محطة سان استيفانو‮ . ‬وهنا‮ ‬يبتعد شارع ابي قيرقليلا عن هذا الخط ولكنه‮ ‬يبتعد بمقدار لايسمح بالغربة‮. ‬بينما‮ ‬يدخل خط ترام باكوس في نفق نفسي مظلم‮ ‬،‮ ‬بينما‮ ‬يقطع شارع أبي قير،‮ ‬في بداية رحلة سقوطه الطبقي الحاد،‮ ‬عند محطة الوزارة،‮ ‬حيث‮ ‬يقع مقر الوزارة في الصيف منذ أيام الملكية وحتي الآن‮ ‬،‮ ‬كأنه‮ ‬يودع الحياة المرفهة التي منحتها له المدينة‮ ‬،‮ ‬ويدخل في ذلك النفق حتي‮ ‬يصل إلي محطة ترام باكوس‮ ‬،‮ ‬وهو اسم الحي المحيط بها‮ ‬،‮ ‬والذي‮ ‬يسمي في قاموس السكندريين ب‮" ‬الصين الشعبية‮ " ‬نظرا‮ ‬للكثافة السكانية الرهيبة التي تسم هذا الحي‮ ‬،‮ ‬وارتباطه بأسواق الخضار والسمك والبيع والشراء والضوضاء،‮ ‬وبعدة أحياء أخري متواضعة و موازية لخط آخر وهو خط قطار أبي قير،‮ ‬وهو قطار الغلابة بلا منازع‮ ‬،‮ ‬فتتحول عربة الترام إلي مايشبه‮ ‬يوم الحشر‮. ‬ولايتغير هذا الإحساس ألا عندما تصل الرحلة لمحطة جناكليس الذي‮ ‬يخرج فيها خط باكوس علي وجه الدنيا ويتنفس بحرية‮ ‬،‮ ‬ويسترد بعضا من اعتباره المبعثر عندما‮ ‬يقابل شارع أبي قير‮ . ‬بينما‮ "‬خط النصر‮" ‬يتهادي وسط الفيلات وقريباً‮ ‬من البحر،‮ ‬ولاتشم داخل عرباته إلا رائحة البارفانات ولاتشاهد إلا جمال و أناقة الفتيات الخارجات من المدارس المتناثرة حول هذا الخط المحظوظ‮. ‬هذه المحطات القليلة هي التي منحت‮ "‬خط النصر‮" ‬كبرياءه وتعاليه علي أخيه التوأم‮ "‬خط باكوس‮ ". ‬ثم‮ ‬يعود الاثنان ويلتقيان مرة أخري عند محطة ترام سان استيفانو ليبدأ رحلة مشتركة وصولا حتي خط النهاية عند محطة ترام فيكتوريا،‮ ‬وتعود اواصر الأخوة بينهما بدون فارق‮ ‬،‮ ‬سوي كمية المخلفات التي‮ ‬يحملها كل منهما خلال رحلته‮. ‬أتحدث عن سنوات السبعينيات وأوائل الثمانينيات،‮ ‬أما الان فقد‮ ‬أصبح الترام‮ ‬وسيلة مواصلات للبسطاء‮ ‬،‮ ‬وتغيرت مستويات الأحياء‮ ‬،‮ ‬ولم‮ ‬يعد هناك فارق كبير بين‮ ‬خط باكوس وخط النصر،‮ ‬ولاتشعر بأي ميزة أو رائحة خاصة وأنت تستقل خط النصر‮ ‬،‮ ‬فهناك أحياء جديدة تناثرت في كل مكان‮ ‬يخرج منها الألاف‮ ‬يوميا بحثاً‮ ‬عن لقمة العيش‮ . ‬ولكني رغما عن كل هذا مازلت أشعر بانجذاب لهذا الكبرياء القديم والرفيع لخط النصر‮.‬المغني الهنديدائما ماكنت أصادف ذلك الرجل،‮ ‬في الشريط الضيق للعربات الموازي لشريط الترام،‮ ‬راكباً‮ ‬دراجته أو سائرا،‮ ‬أو متوقفا عند أحدي المحطات ليؤدي عرضه‮. ‬لم‮ ‬يكن‮ ‬يفعل شيئا سوي أن‮ ‬يرفع عقيرته بالأغاني الهندية التي انتشرت في السبعينيات و الثمانينيات والتسعينيات من القرن الفائت‮. ‬كان هذا الرجل،‮ ‬الذي بلغ‮ ‬تقريبا منتصف الأربعينيات في ذلك الوقت،‮ ‬مهووسا بتلك الأغاني،‮ ‬التي كانت تمثل عنصراً‮ ‬هاما في الأفلام الهندية،‮ ‬لايمكن الاستغناء عنه مهما كان موضوع الفيلم‮. ‬وعندما كان صاحبنا‮ ‬يشعر بالتعب من جراء هذه العقيرة المفتوحة علي اتساعها لتنقل بعضا من فضاءات وسماوات الأفلام الهندية إلي ذلك الشارع الصغير المليء بالعربات وضوضاء الترام،‮ ‬عندها‮ ‬يضغط علي مفتاح التسجيل الكبير الذي‮ ‬يحمله باستمرار،‮ ‬لينوب عنه‮. ‬كان‮ ‬يمسك مقود الدراجة بيد واحدة،‮ ‬واليد الأخري تلتف حول التسجيل،‮ ‬ويبدأ العرض‮. ‬الغناء كان‮ ‬يحفظ توازنه،‮ ‬يقف مع توقف التراموايات عند تقاطعات الشوارع في إشارات المرور،‮ ‬ليؤدي أمام ركابها إحدي أغنياته،‮ ‬وأحيانا‮ ‬يصحبها أداء حركي‮. ‬كنت أشعر بسعادته،‮ ‬كان قادرا علي نقل هذه العدوي لكل من‮ ‬يشاهده خلف النوافذ الزجاجية لعربات الترام،‮ ‬أو علي الأقل‮ ‬ينقل لهم الابتسام،‮ ‬فلا‮ ‬يمكن أن تشاهد هذا العرض إلا وتبتسم‮.‬راكبو الترام هم جمهوره المستهدف علي الدوام،‮ ‬لايخرج للشوارع الكبيرة،‮ ‬ربما خوفا من أن‮ ‬يضيع صوته وسط سيل العربات والضوضاء،‮ ‬فاختار هذا الشارع‮ ‬الصغير لتسرح فيه موهبته‮. ‬علي الناحية الأخري من الترام‮ ‬،‮ ‬وأنت قادم من محطة الرمل،‮ ‬كانت هناك بعض المقابر القبطية واليهودية،‮ ‬وأحد النوادي اليونانية،‮ ‬ومجموعة من العمارات القديمة‮ ‬التي تمتد حتي محطة كامب شيزار والإبراهيمية،‮ ‬وهي منطقة عمل صاحبنا‮. ‬هذه المنطقة كانت تحتوي علي علامات كثيرة من إسكندرية بداية القرن العشرين‮. ‬سينما أوديون كانت مركزا له،‮ ‬بسبب بروجرامات الأفلام الهندي التي كانت تعرضها‮. ‬يظل صاحبنا‮ ‬يحوم حولها طوال النهار،‮ ‬يدخل الفيلم أكثر من مرة،‮ ‬يترك دراجته علي باب السينما ويؤمنها بذلك الجنزير الحديدي‮. ‬عندما أشاهد دراجته في أي ساعة من ساعات النهار أو الليل،‮ ‬أعرف أنه هناك جالس علي أحد المقاعد الجلدية الحمراء للسينما،‮ ‬ورأسه مرفوعة لأعلي ليستقبل هذا الوميض المنبعث من الشاشة،‮ ‬بينما ذاكرته تعمل بأقصي طاقة لها لتحول هذا الوميض وهذه الأصوات إلي شفرات سرعان ماستخرج للشارع‮. ‬كان‮ ‬يخرج من كل فيلم جديد بنسخة كاملة من أغانيه‮. ‬كان مؤمنا كالكثيرين بهذا النوع من المشاعر الحادة والتضحيات الكبيرة التي تتبناها هذه الأفلام‮. ‬صورة الهند ظلت مرتبطة بهذه الأفلام،‮ ‬إلي أن تعرفت عن طريق صديق لي بالمخرج الهندي الكبير ساجيت راي،‮ ‬ومعه رأيت نوعا آخر من‮ ‬المعاناة والتضحيات للشعب الهندي‮.‬أحيانا كان صاحبنا لايكتفي بالغناء أمام جمهوره من راكبي الترام،‮ ‬بل‮ ‬يبدأ في التقافز بجسده في حركات خفيفة،‮ ‬نسخها أيضا من الأفلام،‮ ‬علي السور الحديدي للمحطات‮ ‬،‮ ‬أو فوق‮ ‬الكراسي الأسمنتية،‮ ‬فكلمات الأغاني تحضه علي الحركة والقفز في الهواء‮. ‬في إحدي المرات ترك دراجته وجري وراء الترام وظل‮ ‬يغني علي السلم،‮ ‬فاردا ذراعيه للهواء الذي‮ ‬يتقدم اليه بسرعة ومائلا بجسده الذي‮ ‬يكاد‮ ‬يصل لمستوي السلم الذي‮ ‬يقف عليه‮. ‬لا أعرف هل هناك صفة مشتركة بين كل الممسوسين‮: ‬ذوبانهم في الهواء،‮ ‬كأنهم علي وشك أن‮ ‬يطيروا‮. ‬بعد أن‮ ‬يؤدي عرضه كان‮ ‬يضع كفيه في مواجهة بعضهما البعض،‮ ‬كأنه‮ ‬غاندي في أقصي لحظات تسامحه واحترامه للآخر،‮ ‬وتحت ذقنه تماما،‮ ‬وينحني برأسه،‮ ‬ليحيي تلك الجماهير التي تشاهده‮.‬كان له أنف مدبب،‮ ‬وبشرة قمحية،‮ ‬أو تميل قليلا للسمار،‮ ‬وبنية جسدية حادة ومشدودة،‮ ‬وابتسامة دائمة‮ ‬يقابل بها الناس،‮ ‬خارج ساعات العمل‮. ‬لو صادفته لايغني‮ ‬،‮ ‬فحتما ستجده مبتسما،‮ ‬لأنه‮ ‬يعرف أنك تنظر إليه،‮ ‬وتتذكره،‮ ‬فلا‮ ‬يخيب ظنك في نجمك الهامشي‮. ‬لايعود لشخصيته الأصلية‮ ‬،‮ ‬،‮ ‬ربما لاتوجد تلك الشخصية من الأساس‮ ‬فقد انهمك بكليته في ترديد الأغاني الهندية،‮ ‬وأصبح له تاريخ ميلاد جديد‮ ‬يبدأ مع أول فيلم هندي رأته عيناه‮. ‬هذه الدرجة الخطرة من الحب،‮ ‬ومن إزاحة الماضي‮ ‬،‮ ‬وجعله نسيا منسياً،‮ ‬واستبداله‮ ‬بحاضر من الموسيقي والأغاني والرقصات‮. ‬هل كانت له عائلة‮ ‬،‮ ‬أب‮ ‬،‮ ‬وأم‮ ‬،‮ ‬وزوجة وأولاد،؟ كلها أسئلة كانت تخطر ببال كل من‮ ‬يراه،‮ ‬ولاتجد إجابة عليها،‮ ‬فزمن تواجده بالشارع‮ ‬يفوق أي زمن آخر‮ ‬يخصصه لتلك العائلة المفترضة‮.. ‬الشيء الأكثر ملائمة له أن تجده وحيدا،‮ ‬وتتخيله‮ ‬يعيش وحيدا‮. ‬لن‮ ‬يقوم صباحا،‮ ‬ويقول،‮" ‬صباح الخير‮ ‬يازوجتي الحبيبة،‮ ‬أو‮ " ‬صباح الخير‮ ‬يابابا‮ " ‬أو صباح الخير‮ ‬يابني‮" ‬كلها عبارات لاتليق به،‮ ‬لأنه‮ ‬يبدأ‮ ‬يومه بالغناء‮!‬بعد أن‮ ‬يؤدي أغنيته الراقصة،‮ ‬يلهج من التعب،‮ ‬وتظهر حبيبات العرق علي جبينه،‮ ‬يتواري قليلا الوجه المبتسم،‮ ‬وتلقائيا تجد نفسك،‮ ‬وقد نحيت سخريتك المبطنة منه‮ ‬،‮ ‬واستدبلتها باحترام‮ ‬وتعاطف‮. ‬في هذه اللحظة لاتعد تراه كشخص مميز له علامة‮ ‬،‮ ‬بل تراه كالآف المتعبين الذين‮ ‬تصادفهم كل‮ ‬يوم‮. ‬‮ ‬في نهاية التسعينيات،‮ ‬اختفي هذا الرجل،‮ ‬وصار الطلب علي الأفلام الهندية نادرا،‮ ‬فهذه المليودراما التي كانت تبثها تلك الأفلام‮ ‬،‮ ‬استبدلت بواقع سريع،‮ ‬لايسمح باختزان تلك اللحظات الحادة بين جنباته،‮ ‬ولا في عقول ابنائه‮ . ‬وكذلك أغلقت سينما أوديون أبوابها،‮ ‬وتحولت إلي صالة أفراح‮.‬في الستينيات بدأت هذه الموجة من الأفلام الهندية،‮ ‬اتذكر وأنا صغير حديث عائلتي عن فيلم‮ "‬سانجام‮"‬،‮ ‬و‮ "‬سوراج‮"‬،‮ ‬ثم رأيت بعيني أفيش أحد الأفلام وكان اسمه‮ " ‬ماسح الأحذية‮ " ‬معلقا علي واجهة سينما سبورتنج‮"‬،‮ ‬التي تحولت هي الأخري فيما بعد إلي عمارة كبيرة‮. ‬كان‮ ‬يجمع هذه الأفلام‮ ‬،‮ ‬هذه الدرجة العالية من التضحية والحس الأخلاقي‮. ‬تدخل صالة السينما المظلمة وتعرف أنك ستبكي وستضحك،‮ ‬وسينقبض قلبك،‮ ‬ثم‮ ‬يتبسط خلال ساعتين‮ . ‬حفلات من البكاء الجماعي‮. ‬كان هذا الرجل واحدا من هذا الجيل الذي أحب الأفلام الهندية،‮ ‬يبكي داخل صالة السينما المظلمة،‮ ‬وعند خروجه‮ ‬يركب دراجته ويغني‮.‬‮ ‬المنديل الأبيض‮ ‬لمحمود المليجيمن المشاهد السينمائية التي لا أنساها‮ ‬،في فيلم‮ " ‬اسكندرية ليه‮ " ‬للمخرج‮ ‬يوسف شاهين‮ ‬،‮ ‬عندما‮ ‬يقف الأب محمود المليجي‮ ‬،‮ ‬والأم محسنة توفيق علي رصيف ميناء الأسكندرية ليودعوا الابن محسن محي الدين‮ ‬،‮ ‬في رحلته لدراسة السينما في أمريكا‮. ‬تسقط دموع الابن‮ ‬،‮ ‬بينما الأب‮ ‬يلوح بمنديل أبيض‮ ‬يميناً‮ ‬ويسارا،‮ ‬وهي العلامة التي اتفقا عليها قبل صعود الابن للسفينة‮ ‬،‮ ‬حتي‮ ‬يلاحظ الابن منديل ابيه الأبيض وسط حشود المودعين علي رصيف الميناء‮. ‬هذا الآبن الذي تمنينا جميعاً‮ ‬،في لحظة ما في حياتنا‮ ‬،‮ ‬أن نكون مكانه علي ظهر السفينة ؛ الابن المسافر ليكتشف حياة جديدة‮ ‬،‮ ‬ويتخلي بإرادته عن دفء العائلة التي‮ ‬يعيش في كنفها‮ ‬،‮ ‬في سبيل الحصول علي‮ ‬الخبرة والمعرفة‮. ‬هذا الانفصال للابن محسن محي الدين‮ ‬،‮ ‬ولأي ابن‮ ‬،‮ ‬هو رحلة تنوير‮ ‬،‮ ‬بكل ماتحتويه رحلات التنوير الكبري،‮ ‬من توسيع من مساحة الوعي الشخصي‮ ‬،‮ ‬ومن ألم الفراق الذي‮ ‬ينقل مشاعرالابن لمكان جديد‮ ‬،‮ ‬فالمعرفة التي‮ ‬يحصلها تعوض قليلا ألم الفراق الذي‮ ‬يعانيه‮. ‬فالبلد الجديد الذي سيذهب اليه الابن‮ ‬،‮ ‬والمعرفة الجديدة التي سيكتسبها‮ ‬،‮ ‬ستجعله لامحالة مختلفاً‮ ‬ولو بدرجة عن الأب‮. ‬ليس الاختلاف الطبيعي بين جيل وآخر‮ ‬،‮ ‬ولكنه الاختلاف المتعمد،‮ ‬الذي‮ ‬يأتي بقرار ووعي‮ . ‬حتي ولو كان الابن في الثامنة عشرة من عمره‮ ‬،‮ ‬ولايملك الخبرة الكافية للاختيار الصحيح لمصيره‮ ‬،‮ ‬فهي مخاطرة ولعبة قد تفشل وقد تنجح‮ ‬،‮ ‬وهي السمة الرئيسية لرحلات التنوير الهامة‮ ‬،‮ ‬شرط المخاطرة التي تعتمد فقط علي الحدس بالمستقبل‮ .‬دائما رحلات التنوير تكون من نصيب الجيل الأحدث‮ ‬،‮ ‬أما الجيل الأقدم أو الآباء‮ ‬،‮ ‬فلم تعد الرحلة تستهويهم‮ ‬،‮ ‬فقد أسسوا حياتهم‮ ‬،‮ ‬وأصبح هذا المستقبل الغامض في وعي الابن‮ ‬،‮ ‬واضحاً‮ ‬عند الآباء‮. ‬غموض المستقبل أحد دوافع أي رحلة تنوير‮ ‬يقدم عليهاالابناء‮. ‬زمن التنوير هو زمن البنوة وليس زمن الأبوة‮ ‬،‮ ‬فالرسالا ت الكبري والأديان‮ ‬،‮ ‬من تلقاها ومن قام بها‮ ‬،كانوا مازالوا‮ ‬يعيشيون في زمن البنوة‮. ‬في الفيلم‮ ‬يقوم الابن محسن محي الدين بالرحلة من أجل دراسة السينما في أمريكا‮ ‬،‮ ‬والعمل في هذا المجال‮ ‬يرتبط بخلق عالم جديد من الصور‮ ‬،‮ ‬فداخل عقل ووعي هذا الابن المسافر هناك أشباح‮ ‬يطاردها وشذرات لأفكار‮ ‬يود ولو‮ ‬يجسدها‮ ‬،‮ ‬أنه‮ ‬يخوض التجربة من أجل ان‮ ‬يجعل كل ماهو‮ ‬غامض وشبحي مرئياً‮ ‬وجلياً‮. ‬كل هذه التفاعلات هي التي صنعت تلك النقلة في طريقة الحياة للابن‮. ‬مما جعل كل العائلة وأصدقائها‮ ‬،‮ ‬وبدون استثناء‮ ‬،من أن‮ ‬يقتسموا تكاليف رحلة هذا الابن‮ ‬،‮ ‬ليسافر ويتعلم ويعود للإسكندرية ولمصر كمخرج‮ ‬ينتظر منه الكثير‮. ‬هذه المسئولية الجماعية تجاه الابن‮ ‬،‮ ‬حولته إلي وعد وبشارة بشيء جديد‮ ‬،‮ ‬وإيمان بقدرة هذا الشاب الصغير‮ ‬،‮ ‬بل والتضحية من أجل هذا الايمان‮. ‬وهو السياق الذي‮ ‬يحيط بأي رحلة تنوير‮ ‬،‮ ‬سياق الإيمان والتضحية‮ ‬،‮ ‬وبدونهما‮ ‬يفتقد التنوير طاقته الروحية وقوة دفعه‮. ‬كلنا تمنينا أن نكون موضع إيمان وتضحية من عائلاتنا،‮ ‬ليست التضحية‮ ‬من أجل استمرار الحياة‮ ‬،‮ ‬ولكن في إحداث هذه النقلة النوعية لحياتنا ولوعينا الشخصي،‮ ‬لنحمل بداخلنا هذا الشعور برد الجميل‮ ‬،‮ ‬أمام هذه التضحيات الجسام‮ . ‬هذا الشعور بضرورة‮ " ‬رد الجميل‮ " ‬ينشيء هذا الرابط الإنساني بين عالمين‮ ‬،‮ ‬عالم الابن الحديث‮ ‬،‮ ‬وعالم الأهل القديم‮ .‬لذا فأي تنوير منقوص‮ ‬،‮ ‬لأن جزءا من وظيفته أن‮ ‬ينظر للوراء‮.‬يسافر الابن إلي أمريكا عبر البحر‮ ‬،‮ ‬ربما لأنه أقل تكلفة‮ ‬،‮ ‬وربما كذلك لأن البحر هو مصدر المغامرة والمكان الرئيسي لأي رحلة كبيرة حدثت عبرالتاريخ‮ ‬،‮ ‬البحر هو طريق المعرفة القديم‮ ‬،‮ ‬الذي تنقل فيه ابن بطوطة والسندباد وماركو بولو‮ ‬،‮ ‬كل هؤلاء اكتسبوا المعرفة عبر هذه المياه المتحركة‮ . ‬اما الطائرة فهي وسيط أصم‮ ‬،‮ ‬تفاجئك بوصولك للبلد الجديد‮ ‬،‮ ‬بدون معاناة‮ . ‬الراحة قللت من فرص حدوث تلك الرحلات الكبري‮.‬هذا الابن الحالم بعالم جديد‮ ‬،‮ ‬يعبر في طريق المعرفة القديم‮ ‬،‮ ‬يصبح البحر هو همزة الوصل بين طريقتين للمعرفة‮ ‬،‮ ‬وهي ايضاً‮ ‬من سمات أي لحظة تنوير إنسانية‮ ‬،‮ ‬فمازالت هناك طرق قديمة صالحة لأن تكون معبراً‮ ‬لمعرفة جديدة‮. ‬دائما مايفكر‮ ‬يوسف شاهين بهذا المنطق في أفلامه‮ ‬،‮ ‬فالحلم الفردي هو سبب الرحلة‮ ‬،لذا فعادة ماينتهج هذا الحالم طرقاً‮ ‬قديمة‮ ‬،‮ ‬كارتدائه لبدلة أبيه ومصاحبتها له في رحلته لتقيه من البرد المنتظر علي السفينة وفي البلد الجديد‮. ‬الحلم الفردي هو مكان تواصل مستمر‮ ‬،‮ ‬لأنه هش‮ ‬وحساس‮ ‬،‮ ‬فأنه عاطفي‮ ‬ينظر للتاريخ كجسد ممتد‮ ‬،‮ ‬يسري عبره هذا الضعف الإنساني بالاحتياج للدفء‮ .‬ولكن ماذا كان شعور الأب محمود المليجي‮ ‬،‮ ‬وهو‮ ‬يرفع المنديل الأبيض‮ ‬،‮ ‬هل كان‮ ‬يرفعه ملوحا لابنه بالوداع ؟ أم هذا المنديل الأبيض كان علامة استسلام من الجيل الذي‮ ‬يمثله الأب؟ لاأعرف تماماً‮ ‬الإجابة‮ ‬،